سهيلة عبد الباعث الترجمان

408

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فيقول : " إن اللّه أبدع العالم ، وأعني به ما سوى اللّه ، وذلك لحكمة من أجلها كان ما لم يكن ، والعالم محل الأضداد من خير وشر ، وحلو ومر ، مثل ذلك والكل مراد اللّه تعالى إذ لا يتصور أن يكون ما لا يريد ، أو أن لا يكون ما يريد كونه ، فإن قيل : قد يريد العبد أمورا فتكون بإرادة العبد ، وإن لم يرد الرب وقوعها ولم يرد أيضا أن لا وقوعها قلنا : إرادته تعالى أن يكون العبد مريدا في بعض الأمور ، وقد علم اللّه ما يريده العبد فلم يمنع وقوع ذلك الأمر بعينه مراد للّه ولكن بإرادة زيد ، فزيد غير مجبور عليه ، وليس الأمر مفوضا إليه " « 1 » . ولكن بالرغم من حصر الأفعال جميعها في يد الخالق ، يحاول ابن عربي أن يثبت للعبد فعلا وإرادة إذ أن ما يكسبه الإنسان يكون باختياره ويحاسب عليه ، ولكن هل يكون المختار مجبرا ضمنا على عمله أم أنه اكتسب عمله بإرادته ودون تدّخل الإرادة الإلهية في ذلك ؟ والكسب كما يراه عبارة عن اختيار القلب لا عن مطلق الفعل ، وفي هذا قوله عز وجل : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ « 2 » . فهو إذن يحدد موقفه من هذا الكسب وما له من صلة بالاختيار المرتبط بإرادة العبد رأسا ، لأنه مبدأ الفعل ، ولكن إذا قيل : " أنه تعالى جبر المختار على أن يختار هذا بعينه فقد عاد الاختيار جبرا ، وهو محال لغة وعقلا " . ولكنه يحدد دور العبد في هذا الاختيار وموقف الرب منه فيما يتصوره من تحليل للموقف واختياره لفعله فيقول : " إرادته أن يكون المختار مختارا ، وعلم ماذا يختار فلم يمنع وقوعه ، فصار الواقع بعينه مرادا للرب لكونه علم ولم يمنع ، وكسبا للعبد لكونه لم يعلم مراد الرب فاختار ، فقد بان أنه متى أراد العبد ما أراد اللّه وقوعه بفعل من العبد كان العبد هنا مكتسبا ، ومتى فعل العبد ما أراد اللّه وقوعه بفعل من العبد فوقع بغير إرادة من العبد له لم يكن مكتسبا ، بل العبد حينئذ إما مجزيّ بذلك الفعل الواقع منه لما تقدم أيضا منه ، وإما مجبور عليه لحكمة أرادها اللّه

--> ( 1 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، ورقة 21 ، ص . ص أ - ب . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 225 م .